الثلاثاء، 26 مايو 2009

الجميلة النائمة

حانت مني التفاتة إلى الجميلة النائمة بجواري متدثرة بالغطاء . نظرت إلى كتفيها وذيل حصانها الطويل الملموم إلى الخلف في فوضى محببة . تحركت بعيني أتأمل بقية جسدها والحيز الذي تشغله في الفراش والذي ازداد تدريجيا مع مرور السنوات الإحدى عشرة الماضية. قبلتها وهي نائمة وابتسمت لها ابتسامة معزة ، سعيدة بالانتماء والمسئولية عن هذا الكيان الذي ينموا بقربي، تحت نظري ويدي يوم بعد يوم.
ويبدوا أن هذا المشهد في هذا اليوم بالذات قد أثار في أحاسيس قوية من الأمومة تعرفها الأمهات جيدا ولكنها قد تنسى في زحام تعاملات كل يوم بشده وجذبه خاصة عندما تكبر البنات فتسود العلاقة الكثير من الحوارات والمناقشات ثم المناقشات وايضاً المناقشات ثم الطلبات التي لا تنتهي أبدا ومن الممكن أيضا بعض الانتقادات. ابتسمت لها و قبلتها وأنا احتضنها بعيني وقلبي وأدندن "غمضت عيوني خوفي من الناس يشوفوك مخبا بعيوني " *


طالما أتذكر ويحلوا لي بين الوقت والآخر أن أتندر على نفسي في أول لقاء لي مع ابنتي وقد كان ذلك فور ولادتها وقد كنت شديدة التعب، خائرة الأنفاس وكان السؤال الأخير الذي نطقت به قبل أن أسلم نفسي للنوم هو "البنت كويسة ؟" استفقت بعد مدة وهم يضعونها على صدري، لأنظر إليها نظرة واحدة فقط وأتذكر أنني لم اسميها بعد ، ولكن غير مهم أنا متعبة "شيلوها" . "حقيقة .... ونعم الأم !"


وتتطلبني بعض الراحة لأستجمع قواي وابدأ رحلة أمومتي التي أخذت اتجاها مغايراً منذ أن بدأت التعرف على هذه الوليدة الصغيرة. أتذكر أجمل وأعمق إحساس شعرت به في حياتي على وجه الإطلاق وأعتقد انه من أحد التجارب القليلة التي لا تزال تأخذ نفسي وتأسر روحي كلما تذكرتها. تولد هذا الإحساس مع بداية إرضاعها . و بالرغم أن الرضاعة نفسها لم تكن التجربة المفضلة عندي ، فقد كنت مهتزة بشدة من تغير نوعية دوري في الحياة إلى مجرد مرضعة ومغيرة حفاضات ، إلا أن الجو المحيط بهذه العملية جعلها تجربة احتواء بكل ما تحمل الكلمة من معاني.


إلى الآن لا أنسي جلستي على فراشي محتضنة هذا الكائن الصغير، جسمه مرتكن على زراعي ووجهه قريب إلى وجهي ونفسه في نفسي وعيونه في عيوني واليد الفائقة الصغر ذات الجلد الناعم وكأنها من الجنة متشابكة مع أحد أصابع يدي اليمني. أما قمة المتعة فكانت تأملي للعيون الصغيرة التي كانت تتفتح يوماً بعد يوم والرموش التي كانت تزيد رمشاً رمشاً بين يوم وآخر. كانت مطالعة عيون ووجه ندى وتعبيرات وجهها وهي تجاهد في أولى مهماتها في الحياة للحفاظ على حياتها وكفاحها في سبيل" لقمة العيش" هي تجربة استمتاع شغلت كل حواسي في ذلك الوقت وتركت بداخلي ذكرى راسخة لا أنساها مع مرور الزمن .


وبعد مرور السنوات، ها أنا أتأملها وأنا أفكر إنني لم أعد لها ذلك الكائن العملاق ، كما لم تعد هي ذلك الكائن الدقيق المكافح من أجل حياته ، بل المكافح من أجل استقلاله . أنام وأنا أفكر في المزيد الذي ينتظرني كشاهد وراعي لكل لحظة من لحظات نمو وتطور هذا الإنسان. حقاً .... مسئولية كبيرة !!!!




* من أغنية سألوني الناس لفيروز


أميرة المسيرى


* من اللحظات القليلة في الحياة التي تأخذ الأنفاس

الأربعاء، 20 مايو 2009

في عيد ميلادي السادس والثلاثين



نظرت إلى الساعة في هلع
" ياه.... الساعة تسعة إلا عشرة .. الظاهر مافيش فايدة فيه ابدأ . كل يوم أنوي المحافظة على ميعاد العمل ولكن تاتي لحظات "اللكاعة" الأخيرة لتفسد نواياي الطيبة.


لملمت بقية أغراضي سريعا وخرجت وأغلقت باب شقتي ورائي . نزلت على السلم بخطوات سريعة وفي ثواني كنت في الشارع . وقفت للحظة أنظر يمينا ويسارا محاولة تذكر أين ركنت سيارتى في اليوم السابق. أتذكر سريعا.. وأتابع خطاي السريعة في اتجاه اليسار، شنطة يدي على كتف وشنطة "اللاب توب" على الكتف الأخر.


لفت نظري أنني أتحرك بهمة ونشاط وثقة أكثر من كل يوم . وبالرغم من إننا في الصيف والأيام السابقة كانت حارة للغاية ، إلا أن الجو كان أكثر من رائع . شعرت بشعاع لطيف معتدل للشمس يتخذ طريقة من بين الأشجار المصطفة على جانبي الطريق ويصل الى خصلة من شعري. بينما أتابع خطاي الحثيثة نحو سيارتي، حلا لي أن انظر إلى الشارع من منظور أوسع ، فمددت نظري إلى أبعد من مكان سيارتي في منتصف الشارع. وأمتلأت برغبة أعمق في التمعن في شعور استمتاعي البسيط ، فرفعت عيني أنظر إلى السماء، فطالعني اصطفاف الأشجار الفارعة في شارع بيتنا وشعاع الشمس النافذ من السماء . لم تستغرق هذه الأحداث سوى لحظات لكنها تركت داخلي شعور بالراحة والاسترخاء.


توقفت أفكر قليلا بينما أفتح باب سيارتى ... ما بي اليوم؟ ما هذه الثقة ؟ ما هذا الاسترخاء ورواق البال.. ..... لا شئ محدد... .. أه ... تذكرت بعد أسبوع عيد ميلادي الستة والثلاثين. يمكن عشان كده ؟؟ 


ممكن يكون هذا هو السبب ؟ غريبة !!!!!، فالكبر بعد مرحلة معينة عامل قلق وليس عامل فرح ... لكني على العكس كنت أمشي فارده قامتي ، أدق الأرض بقدمي بمنتهى الثقة ، حاملة معي سنوات عمري الستة والثلاثين بفخر وراحة مع النفس. ضحكت من نفسي. "ده إيه يا ست الثقة دي كلها؟؟" و رددت على نفسي "طبعا... وليه لأ، مادمت متحققة بالقدر الذي يكفيني ويغنيني ويملأني."


هل هذا هو الرضا ؟ هل توصلت أخيراً إلى قدراً لا بأس به من الرضا ؟  بعد ان مرت بي سنوات طويلة و أنا أقول "مش كفاية ..... لسه كمان."


لكن النهارده، لسبب ما كنت أمشي مفرودة القامة وأشعر بكل ما في جميل و كل ما حولي جميل . كنت أشعر بان سنوات العمر هي فرصة وهدية من الله يعطيها لنا لنفعل بها ما نشاء . لنجرب ونخطئ و نتعلم . عادي أن نأخذ قرارات خاطئة . مشروع جداً الا نعرف الطريق ، فنتحسس خطانا ، نخاطر وننجح  ولا مانع من أن نتعثر مرات إن كنا سنقوم  أقوى .


النهارده ... ضبطت نفسي و أنا أربت على كتف نفسي وأقول لها برافو على كل النجاحات والإخفاقات ، على كل المحاولات. أن شاء الله اللي جاي يكون أجمل و أسعد........... ضبطت نفسي أيضا أنظف الدواليب القديمة وأطوح ببعض ما يثقلني من شباكي في الدور الرابع لتسقط على الأرض ، فتتفتت مليون قطعة، فتفديني ...فأعيش عاماً جديداً ...... . كل سنة وأنا طيبة .

أميرة المسيرى

الثلاثاء، 21 أبريل 2009

"صباح و مسا"


إحساس مباغت
أزال بينا مسافات من الإختلافات


وأنا مستسلمة للتمتع بهذا الإحساس
لا أرغب في النوم
أجلس بالليل
أنا وأنت وفيروز
ويدي تحتضن كأس الشاي الأخضر بالنعناع


أحتضن الكاس بيدي الأثنتين وأتمتع بدفء حرارته تختلسني
أغمض عيني وأرفع الكاس لفمي فتملأ أنفي رائحته المحببة
أرتشف أول قطرة... تلسعني حرارته
فالأتركه قليلا حتى يبرد
ولأرتشفه قطرة قطرة. هكذا أحب أن أشربه


أنظر إلى الكاس وأتمتع بلون الشاي من خلال الزجاج الشفاف
هكذا أحب أن أشرب كأسي
لي طقوسي الخاصة
ليست بالشئ الكثير ولكنها طريقتي أنا التي تجعل من الأشياء الصغيرة تجربة ممتعة خاصة بي


هذا هو طقسي اليومي
لحظتي التي أختلي فيها بنفسي
ولكن اليوم زاد عليها بعداً جديداً
بعداً جعل للحظة خلوتي هذه طعم مختلف
شيئا ما قد لمسني ونفذ إلى داخلي
أشعر بإحساسي وقد رق


وفي الخلفية تغني فيروز
" صباح ومسا "
" شئ ما بيتنسا "


ربما كانت هي الخيط الرابط
منذ بداية أزمتي التي لم يكن لك شأن بها
كنا أيضاً أنا وهي


كان ذلك قبل بضعة شهور
قبل مرحلة الإنفجار
كان الوقت السابق لهذا الإنفجار وقت تعب وتفكير لا يؤدي الى أي راحة
إلى أن حدث الإنفجار في داخلي
إنفجار نتج عنه نزيف للكثير من المشاعر والأحاسيس
إنفجار أزاح طبقات وطبقات من تحت التراب وأتي بها إلى السطح


ومع الإنفجار أهتززت .. و ترنحت
وأنا على الأرض أجثو على ركبتي ، فوجئت بالألوان
رأيت الألوان في كل مكان ..... ما أجمل الألوان
كل الوان الكون أمتزجت في تشكيلات جميلة متداخلة
في هذه اللحظة أكتشفت الكثيرعن نفسي


هل كان مقدراً أن تاتي في ذلك الوقت ؟
هل هناك سبب لذلك الوقت بالتحديد
هل هناك سبب لكل ما سبق ؟


ولماذا أنت؟
منذ عرفتك وقد أوجست منك كثيراً
وأبعدتك كثيراً
فقد كنت أخشى ذلك اليوم


ولكني أنا التي تقترب الآن
بثقة وغرورحديث الطيران أقترب
اليوم أتحت لنفسي فرصة للاقتراب
فرصة أختلستها من العقل والمنطق وكل حسابات الورقة والقلم.




أقترب نحو النور وما أقسى إحتمالات النور
أعرف أنه قد يكون نوراً أسكن اليه وقد يكون ناراً حارقة
وشتان بين الأحتمالان
ولكن النور يجذبني.... فلا أستطيع إلا الإقتراب


و أتلقى التحذيرات
الرسائل المباشرة والمتوارية
وأفكر في كل ما حافظت عليه
وفي كل ما يستوجب الحفاظ عليه
في إحساسي وشعوري
في حياتي المقبلة


أقتربت اليوم بخاطري وأنا لست نادمة
بل على العكس أشعر انك قد أضفت الي شيئاً جديداً
شيئا جعلني أبتسم لك عن بعد وأنا اتذكر بعضاً من تفاصيل اليوم.


وعدت
وها أنا الآن بالليل ؛ أنا وأنت وفيروز
وكاس الشاي بين يدى وتفاصيل صغيرة تدور بعقلي


فرغ الكاس ..... تصبح على خير.

أميرة المسيرى

السبت، 11 أبريل 2009

هل نلتقي؟

يا عزيزي...
صعب علي أن أقبلك كما أنت
صعب عليك أن تقبلنى كما أنا


الحرب بيننا دائرة . شد وجذب
هي حرب فرض الإرادة
ليست بغرض فرض الإرادة ، ولكن لأننا نمثل قمة التناقض
أمثل أنا الوحدوية ، تمثل أنت التعددية
أنا الأحساس وأنت الحسية


وعندي تتنافى التعددية مع الحب الصادق
وتتنافى مع الكبرياء والإعتزاز بالذات
هذه التعددية تركت العديد من البصمات عليك
أراها في خيالي


تنفي عن نفسك التهمة إن كانت تهمة
وتقول هذه البصمات جزء مني وأنا شاكرلها
شاكر لكل النساء العابرات
لأن كلاً منهن ساعدتني على إكتشاف جزء من ذاتي


أعترف أنهن ولا بد ساعدنك على ذلك وأحسدك إن كنت بافعل قد اقتربت أكثرمن نفسك
ولكن..... لا أزال لا أقبل التعددية ولا مطلق الحرية


بل .... من الممكن أن أتقبلها ولكن فقط كجزء من الماضي
أقبلها لأنها جزء من الكل الذي أصبحت عليه
ومن الممكن أن أتمادى لأحبها
ولكن الأكيد من أنني اذا جئت فسوف أطردها لأحتل كل مكانها


لا أريد أن أكون كنزيلة غرفة في فندق
أدخلها لأول مرة فتطالعني رائحة آخر نزيلة
أريد مكاني أنا ومساحتي أنا
مساحتي التي ندخلها معاً فتطالعني رائحة عطري أنا
وتدخلها مغمضاً فتظل تعرفها قدرمعرفتك بي
أريد مساحتى التي لا يشاركني فيها إلا انت
فهل تكتفي ؟
هل أملأك أنا؟


ولكن...
نقط بدايتنا مختلفة؟
ابدأ أنا بالصداقة
تبدأ أنت بالحسية
أقول نتفاهم
تقول سوف يأتي التفاهم


تراني أكبل نفسي
أراك منساق وراء كل ما تشتهيه نفسك
ترى نفسك مشبع
أرى نفسي أمتلك قدراً كبيراً من التحكم بالنفس


وبين كل مرة وأخرى نتقابل ، نتناقش .... وأصدم وتصدم
وأدير ظهري وأمشي
ولكني أظل أفكر فيك
أتشاغل وتتشاغل.......... ولكنك تاتي .. بعد شهر... بعد سنة ....


وأظل أحب فيك أشياء ربما ليست هي الأشياء التي تحبها في نفسك
وأكره فيك فجاجة الصراحة التي لا تستطيع أذني أن تعتادها
وأحب نصف الجملة الثاني من كلامك الذي يخفف من حدة النصف الأول


وأفكر ....


ترى هل نلتقي يوماً ؟
وهل سأكون أنا أنا وهل ستكون أنت أنت؟

أميرة المسيرى

لا يصح ان يجوع الإنسان أو أن تجوع روحه



بينما كنت أتنظر أنا وأبنتي في أحدى إشارات المرور، رأيت مجموعة من أطفال الشوارع على بعد خطوات من عربتنا. بالصدفة ذهبت عيني إلى أحدهم ورأيته وهو يبصق على الأرض ويمسح فمه بيده، وباليد الاخرى يمسك بحزم من النعناع الأخضرالذابل ، يبيعها في الإشارات.. وبأسرع مما أستوعب، رأيته يتقدم نحوي وقد قررأن يبيعني بعضاً من النعناع..


مدفوعة بإحساس من القرف منه ، أمتدت يدي لا إرادياً تتحسس موقع زر الزجاج لأغلقه وأتجنب محاولته للتقرب مني، ولكن الوقت لم يسعفني . مد رأسه من خلال الزجاج النصف مغلق قأئلاً " خدي مني " قلت له "شكراً مش عايزه" وأنا أكمل إغلاق الزجاج بالفعل . مد يده في طريق الزجاج فنزعت يدي من على الزر، فلم يكن من الممكن أن أخاطر بغلق الزجاج على يده. إلا أن تصرفه هذا أثارني واعتبرت إصراره هذا نوعاً من التحرش. وما أن أزاح يده ، حتى سارعت بإغلاق الزجاج ، فأخذ يدق على الزجاج، وسمعت صوته من خلف الزجاج يقول: " أنا جعان... إدينى من اللي بتاكله ده" وهو يشير الى البسكوت بالشيكولاته الذي كانت تأكله أبنتي.


تحركت الإشارة قليلاً ، وتحركت بالعربة ببطء ، فأخذ يتعلق بالعربة ولم أصدق نفسي ساعتها من ردة فعله ومدى تهوره، فأخذت أنهره ثانية من خلف الزجاج ليتركنا في حالنا. وتحركت بالعربة مرة اخرى وأدرك هو أنه لن يصل إلى شئ، فأفلت نفسه .


لا أعرف لماذا توقفت كثيراً عند هذا الحادث العارض أتأمل وأفكر فيه. والأغرب من ذلك أنني بشكل ما وجدت تشابه بين حال هذا الصبي الفقير البائس وحال كثير من الناس المحيطين ومن نفسي في بعض الأحيان. ووجدتني أفكر في إنه إذا كان الفقروالجوع المادي هم سبب تسول هذا الصبي. فماذا نتسول نحن؟ و أي نوع من أنواع الفقر نعاني ؟


أدركت أنه هناك أنواع أخرى من الفقر تعيش بيننا ولكن يصعب علينا التعرف عليها ، ذلك لأنها تتواجد في أشكال غير ملموسة متنكرة فلا نلتفت اليها. أرى الآن الخيط الجامع بينها بوضوح يظهر في عدم الشعوربأي لذه للأشياء، عدم الرضا عن الحال أوعن النفس، والرغبة دائماً في المزيد. أرى أناس وحيدة من الداخل برغم أنهم محاطون بالناس في كل دقيقة وتراهم ويقولون أصعب أنواع الوحدة هي التي تشعرها وأنت في وسط الناس. والسعادة عندهم ، سعادة وقتية ، تنتهي بمجرد إنتهاء واقتناء الاشياء المباشرة... فلا يبقي منها اثر فيظلوا جائعين.


أسترجع الآن مختلف "ماركات" الفراغ فأراها كالقلادة معلقة على الصدور . تتدلى من الرقبة وتمر بالقلب والمعدة والضلوع ، يكادالقفص الصدري أن يضيق بها. وأينما حلت ، حل على صاحبها الشعور بعدم الراحة لأنها تحرك فيه إحساس بجوع لا يشبع ولايمتلئ لأنه من الأصل لا يعرف ماذا يغذيه.


ومع إحساس الجوع ، يزداد الياس وفقد الإتجاه، فتجد حاملي قلادات الفراغ يلهثون في كل إتجاه محاولين سد هذا الفراغ بمختلف الطرق . إلا انهم لا يتوقفوا ليتساءلون : ما هو سبب هذا الشعور؟ أراهم مثل صبي الإشارة الصغير جائعين متعبين ، يحاولون سد جوعهم بأي ثمن. إلا أن طفل الاشارة اليائس أحسن حالاً من كثيرين لأنه على الأقل يعرف ماذا الذي يشبعه.


فما هي أسباب فقر الأغنياء الفقراء؟ في رأيي أن فقرالروح يحدث عندما يهمل الإنسان نفسه فيغفل ما يشبعها و يغذيها . فلكل نفس غذائها الخاص والمختلف الذي قد لا ندركه خاصة مع مجتمعاتنا التي تميل الى الجماعية والتقليد و بالتالي النمطية في كل شئء بدءاً من التعليم والأسرة المجتمع.


لذلك تجدنا نعيش في القوالب التي صنعها المجتمع والتي تستخدم كمعايير لتقييم نجاح وقيمة الأنسان. فاذا كنت متعلماً ، عندك وظيفة ، عندك أسرة وفرص للترقي وجني الاموال ، إذن أنت ناجح . .إذا كنت تقتني الكثير من السلع الاستهلاكية وتبالغ في الاهتمام بمظهرك ،إذن فانت "حد نضيف" وإذا كان العكس "فأنت أي كلام " وأمثله أخرى كثيرة للسطحية التى طالت حياتنا والتي نحكم من خلالها على الأشياء والأشخاص . ولكن هل تتوقف لتسأل نفسك هل أنت راضي؟ هل انت سعيد؟ هل عرفت نفسك ؟ هل عرفت ما يشبعك؟ لا.... أنت تفعل كما يفعل الأخرين . واقف في نفس الطابور ، منتظر نفس الأشياء.


أذن فعلينا الا نفكر فقط فيما يشغل وقتنا ، بل فيما يملأ روحنا ، يشبعها ويقويها. علينا أيضاً أن نتأكد أن المدخلات على حياتنا هي أشياء ذات معنى تطول روحنا وليست أشياء سطحية ظاهرية نخلعها كما نخلع ملابسنا عندما نذهب للنوم وذلك لأن جوع الروح هي أخطر حالة قد يصل اليها الإنسان فيتحول الى مخلوق ضعيف بائس يقبل بأي شئء يخطفه ليشبع به جوعه. هي حالة مخيفة لا يبقي للإنسان فيها شيئاً للحفاظ عليه والأخطر من ذلك أنها تخيف الآخرين. فمن منا سيمد يده لغريق قد يسحبه معه وينزل به الى القاع..

أميرة المسيرى

مسألة وقت وإعداد وإستعداد



أستشعر خطواتي على الطريق الصحيح
الطريق الذي حلمت به وأحسسته منذ زمن طويل
حدس داخلي حدثني عنه وأكده لي
ولكني تركته بإرادتي وأهملته
طواعية تخليت عنه ليس لكسلي أو لعدم إيماني ولكن بسبب إيماني بالتوقيت والإستعداد


فالتكوين يجب أن يحدث
ويتطلب الوقت
يتراكم قطرة قطرة
مع كل حادثة ، مع كل كلمة وكل خبرة تؤثر فينا سلباً أو إيجاباً
إلى أن نغدوا منتجاً جميلاً هو حاصل جمع وضرب كل هذه الأشياء
كل هذه الأشياء تصنع تاريخنا ، توثر في حاضرنا وشكل مستقبلنا


أشعر بالطفل يستعد للإنطلاق
كان الطفل يخزن الحروف والكلمات والمشاعر والخبرات، ليكون الجمل وليعي ما هو معنى الأحساس
كان الطفل يحتاج التعلم ويحتاج أن يكون جاهزاً، قادراً ليمشي
كان يكون العضلات ويستجيب للتحفيز ولكنه كان ينتظر الوقت المناسب
كان للطفل رجلين وزراعين ..... لم يكونا معطلان كل هذه الفترة
لم يكونا خاملان ، بل كانا يتدربان ليفاجئا العالم بالقدرة على المشي والحركة
كانت مسالة وقت وإعداد وإستعداد


الآن اشعر بهذا الإستعداد ، ولهذا أشعر بالإمتلاء
وكأني لست وحدي المستعدة
كل ما حاولي مستعد وفي صفي ... وهذا ليس صدفة
لا أصدق في الصدف .... فأنا جاهزة الآن


أشعر بنفسي إنسانة أخرى
انسانه أخذت وقتها وفرصتها لتنموا
أشعر بنظرة عينى مختلفة
أراها مفتوحة على التعلم والقدرة على الإندهاش والإستمتاع بالأشياء
أتمتع بنظرتها الراضية
يسودوني هدوء المطمئن الواثق
فليس هناك شئ إسمه الصدفة
بل هناك شئ إسمه التوقيت
عندها فقط تحدث الأشياء
وقتها تتفتح الورود، وتتطيرالفراشات

أميرة المسيرى

الخميس، 26 فبراير 2009

حادي بادي،... صوت جاي لنا هنا من الناحية دي

ذكرياتنا واحنا صغيرين هي صوت جاي لنا من بعيد.... أول يوم مدرسة هو يوم لا ينسى .صداقاتنا الصغيرة ، استعدادات الحضانة لحفلات أخر العام وأصواتنا الصغيرة ونحن نغني على نغمات البيانو " ماما يا حلوة يا أجمل غنوة" . المسرح الذي شهد رقصاتنا ولهونا. عالمنا الصغير هذا كان عالمنا السحري ، شكل حياتنا وترك لنا الذكريات.

اليوم أريد ان أسترجع هذا الجزء من حياتي . أريد أن أعود بذاكرتي لأنفض التراب عن الصندوق الأسود الذي يحوي كل الذكريات .... .. مدرستي وحشتني.


يالا بينا ... يالا يالا . يالا يالا بينا... دي الشمسوسه طالة طالة وبتنده علينا. "



دي الأغنية اللى أنا سامعاها وأنا بادخل من باب المدرسة الأمامي . يلاقيني على الباب عم حسين بالجلابية البيضاء بترحاب ويقولي أتفضلي .....النهارده يوم الأحد . الحصة الأولي والثانية رسم .


نصطف كلنا في طابور لنذهب الى غرفة الرسم ذات الواجهة الزجاجية المطلة على الحديقة الأمامية . ترابيزات كبيرة تحيطها مقاعد طويلة كافية لتستوعبنا. الحوائط مزدانة بالأعمال الفنية من أنتاجنا نحن والتلاميذ الآخرون. مواد فنية ، خامات والوان . نجلس وتحدثا ميس جيهان. " النهارده يا أولاد هانعمل حاجة جديدة . أنا معايا شريط جديد للأطفال عجبني أوي وعاوزاكو تسمعوه. هنشغل الشريط ده دلوقتي وهاترسمموا وانتو بتسمعوا . ما عندناش موضوع محدد. اللي يجي على بالكوا أرسموه."


وأدارت ميس جيهان الشريط وكانت أول مرة أسمع هذه الأغاني وأول مرة أرسم على خلفية موسيقية .أذكر منظر حديقة المدرسة في الصباح الباكروالشمس المشرقة تتخلل الزجاج المزدان بالرسوم الزيتية من رسم ميس جيهان. أكذر دفئ الشمس ودرجة سطوع الشمس المعتدلة المريحة والمهدئة للنفس. و يا ألله كم هي جميلة هذه الاغاني . نقلتني الى عالم سحري كله الوان و مرح و نغمات. هكذا كان شعوري ذلك اليوم. كم هي جميلة ميس جيهان بشعرها الأسود الطويل والروج الأحمر الذي كان يمثل أقصى درجات الأبهار في ذلك الوقت بالنسبة لي . هكذا رأيتها .. جميلة ورقيقة، فأحببتها وأنطبعت صورتها في ذهني كصورة جميلة لا يطولها الزمن. و لكن هل لو رأيتها الآن هل أعرفها ؟...... أشك!


فاتت كام سنة وأتنقلنا من مبني الأبتدائي إلى مبني الأعدادي. الحصة الآن حصة أحياء وسوف نذهب إلى المعمل . ننزل من الدور الثاني مقر فصلنا ونتحرك في طابورين: واحد للبنات والآخر للأولاد. ونتلكلأ قليلا لنضيع بعض الوقت ونثرثر بأي أحاديث ونضحك على أتفه الأسباب . وفي طريقنا نمر بمكتب وكيل المدرسة ونتنبه لذلك فيخف الهرج والمرج للحظات إلى أن نتخطى منطقة " الخطر".


اليوم حصة تشريح. سوف نقوم بتشريح أرنب . يقوم مستر "سيتي" مدرس الأحياء بذبح الأرنب ويقوم بشرح الخطوات التالية للتشريح ويطلب بعض المساعدة في تثبيت الأرنب على لوحة التشريح. " مين هايجي يثبت الأرنب بالمسامير؟ ويسود المعمل صمت تام ..... ولا ينطق أحد إلا الفلحوسة التي هي أنا "أنا يا أستاذ أنا" وأخطوا نحو المنصة الكبيرة الموضوع عليها الأرنب ويناولني الأستاذ الشاكوش الكبير والمسامير ... أحاول التغلب على الرهبة التي أنتابتني وأمسك رجل الأرنب الصغيرة التي كانت لا تزال تنبض ولم تفقد حرارتها بعد..... " لأ مش أدرة، مش ادرة " و أجري وأترك الأرنب والأستاذ وأجلس في مكاني وسط ضحك زملائي الجبناء. طب أنا حاولت اتغلب على خوفي .. انتو عملتوا أيه؟


النهارده بقى السبت عندنا أجازة . بس أحنا برضه مع بعض...... وفين بقى؟ ... في الأسماعيلية. عندنا رحلة . في الأتوبيس بنغني ونرقص والبنات وسط الولاد مش باينين من بعض بسبب تسريحة "البنك" اللي كانت كل البنات عملاها . ونصفق ونحن نقترب من أحد النوادي على قناة السويس. بعض المفاوضات بين مشرف الرحلة وموظف النادي . ننتظر بترقب ونحن نستعجل النزول . يدخل الأتوبيس الى النادي ويركن. نقفز من الاتوبيس ونجلس على الرصيف و يحلوا لنا التقاط الصور لحين قطع التذاكر ونتدافع لنظهر في الصورة..


وتمر سنوات أخرى ونصل الى الثانوية العامة . الوقت ده كان وقت جد . أكثر سنة ذاكرنا فيها وعملنا فيها جهد . ماهي بتحدد مستقلبنا. بس كنا كلنا بنحب أو أغلبنا علشان ما حدش يزعل. وكانت البنات مع أولاد أكبر. ماهو في المرحلة دي ما كنش يملى عنينا العيال بتوعنا دول . وكان وقت عبد الحليم وليالى الحلمية ونوتس لاندنج وفالكون كرست. و في المرحلة دي كانت تنازعنا أحاسيس الحنين ونحن نوشك أن ننهي مرحلة جمييييييييلة من حياتنا هي مرحلة المدرسة و في نفس الوقت مشاعر التطلع الى مرحلة الجامعة بما ترتبط به من حرية والدخول في مرحلة الشباب.


ونجحنا..... وتركنا المدرسة وطوينا صفحة جميلة من حياتنا وطفولتنا . هل تركناها في المدرسة؟ طبعاً لأ.
أخذنا الكثير منها في شخصياتنا من ذكريات وصداقات ومشاعر تقدير عميقة وحب لزملاءنا وأساتذتنا وحتى عمال المدرسة..


وأخطو على مضض على الممشى الطويل المؤدي الى باب الخروج وأنظرعلى يميني فتطالعني الملاعب الواسعة التي أفنينا أنفسنا فيها لعباً وجرياً وصريخاً. وأرفع رأسي إلى الفصول العلوية وأقول لنفسي وأنا أمسح دمعة صغيرة ابداً لن أنسى هذه الأيام. وقرب باب الخروج تقع عينى على الجرس المعدني الكبير ويرن في أذني صوت الأغنية يوم حصة الرسم في فصل ميس جيهان مدرسة الرسم الجميلة............. . " حادي بادي، حادي بادي، صوت جاي لنا هنا من الناحية دي ....... عمال بيغني وينادي....... سامعين صوته الحلو العالي....... بيقول تعالولي تعالولي."
أميرة المسيرى