من أجمل الأشياء التي تستهويني جداً هو مشاهدة طفل صغير لم يلبث أن تعلم المشي وهو يتعثر في خطواته الأولى ويجاهد للحفاظ على توازنه .. هذا المشهد يجذب إنتباهي بشده لأنه من اوئل الإنتصارات التي يحققها الأنسان في عمره و تكون قدرته على المشي هي ألاداة الأولى التي تعطيه حرية الحركة و حرية الأستكتشاف .. هذه الحرية و القدرة الكبيرة يعطيها الله للإنسان في عمر عام واحد فقط و على أقصى تقدير بعد عيد ميلاد الطفل الأول بأسبوع او أسبوعين إلا اذا كان هناك أسباب لتأخر المشي .
أطرف ما في هذا الموضوع هو أن الطفل في هذه السن المبكرة جداً مع اكتسابه لقدرة المشي لا يكتسب قدرة موازية في تطوره العقلى التي تمكنه من معرفة و تحديد الاخطار المحيطة به من ماء ساخن ، كهرباء .. الخ الخ. لذلك يكون الطفل في هذه المرحلة مثل " العربة الطائشة " موتور بلا فرامل ... موتور بلا عقل.
إذا تأملت في هذا الموقف أكثر وأكثر فسوف تجده يتعدي الطرافة ، فبالإضافة إلى متعة مشاهدة هذا النجاح الكبير للطفل من المحافظة على توازنه و تفادي الوقوع ، و الإصطدام بالأشياء و خبط رأسه في الحأئط و عمل كثير من الكوارث ، فهنا ك بعداً أكبر بكثير .. هو بعد التلقائية والمغامرة و روح الاستكشاف التي أودعها الله بداخلنا ..
يبدوا أن الله اراد لنا في بعض مراحل حياتنا أن نكون بالفعل موتور بلا فرامل. و الدليل على ذلك هو انه أمدنا بالقدرة على المشي قبل القدرة على التفكير السليم . و هذا لا يعني أن الله لم يمدنا بدواعي آماننا... بل أعطانا هذا الآمان متمثلاً في الفطرة التي تركها لتقودنا في أكثر مراحل حياتنا ضعفاً و انعدام للخبرة.
و بينما نكبر، يقل اعتمادنا على الفطرة و تزيد تجاربنا و تتراكم المعلومات ، و لكن الخبرة دائماً قابلة دائما لزياده أكبر .. فإن كنت أبن العاشرة ، فمن في ضعف عمرك تجربته و حصيلة معلوماته أكبر و إن كنت في العشرين فخبرات أهلك بطبيعة الحال أوسع خصوصاً في مجال الخبرات الحياتية لأن أولادنا الآن سبقونا في بعض المجالات مثل الكومبيوتر و التكنولوجيا ..
عودة إلى الطفل الذي تعلم المشي ثم لم يلبث أن صار في السادسة عشرة و يجب عليه تقرير ايه جامعة يلتحق بها .. ثم لا يلبث أن يصبح في العشرينات فيختار شريك عمره .. و قرارات كثيرة منها الكبير والصغير ، إلا انها كلها تشكل حياته المستقبلية و تسطر خطوطاً في كتاب حياته .... و في هذه المرحلة يتسلح "الطفل" الذي لم يصبح طفلاً بمشورة عقله و ببعض التوجيه من الأهل و المجتمع و تكون قراراته في ضوء معلوماته و خبراته و ما تفرضه قيود و ضوابط البيئة التي يسوق فيها عربته .. و لكن معلوماته دائما تكون غير مكتملة و خبرتة قابلة للزيادة.
و نكبر و نكبر .. و أدواتنا لا تزال الموتور و الفرامل ... و نتطور، فلا نظل هذه العربة الطائشة التي كناها يوما.. بل يزداد استخدامنا للفرامل. و تأخذنا سطوة حسب الحسابات و توقع للنتائج. و في قمة هذا "النجاح " و قمة الفهم و النضوج من وجهة نظرك ، يباغتك حنين لأيام كنت فيها قليل الخبرة لا تعلم ماذا ينتظرك و برغم هذا كانت تحدوك روح المغامرة و الأستكشاف وكثيررررررر من النجاح. نعم هناك جمال في أن تبدأ الطريق و أنت لا تعلم ماذا ينتظرك ولا حتي أن يكون بداخلك سؤال : ماذا بعد ؟ هناك جمال ايضاَ في ألا تدرك أصلا إذا كان هناك من بعد !
لهذا ، أيها الطفل الذي قدر الله له أن يتحسس خطاه وقت أن كان إبن عام ، أخطوا و تعثر و خاطر و تحسس طريقك بحدسك و بقلبك و بما تملك من أدوات .. فمهما كبرت و عظمت فسوف تظل دائما محدوداً. و هناك الكثير من الأشياء التي تستشعر بالقلب فقط دون العقل و هناك أشياء تبدوا الجنون كل الجنون و بدون أي ضمان من العقل... و لكنها تصيب !
